حضارة ومدناً ورعايا قتلى أو غرقى
أخر الأخبار

حضارة ومدناً ورعايا قتلى أو غرقى!

 فلسطين اليوم -

حضارة ومدناً ورعايا قتلى أو غرقى

بقلم : طلال سلمان

الصحف العربية صفحات نعي أوطان، تساعدها الإذاعات مسموعة ومرئية في نعي الشعوب، وتكمل وسائط التواصل الاجتماعي جهدها في السخرية من العروبة وأحلام الوحدة وحق الإنسان العربي في التقدم، بل في الحياة.
تغتال المدن ذات التاريخ والدور الثابت في الحضارة الإنسانية، كما حلب والموصل، بعد بغداد وتدمر، صنعاء وتعز وعدن، طرابلس (الغرب) وبنغازي، فإذا بـ «العرب» (والمسلمين عموماً) مجموعة من السفاحين قتلة المدن والنساء والأطفال، رجالهم متوحشون ونساؤهم أرامل هائمات على وجوههن، تحمل الواحدة رضيعها على صدرها وتمسك بيد الابنة بينما الأبناء يتعلقون بأذيالها وهم يقصدون خلفها اللامكان، هرباً من الجحيم.

تصدر البلاغات العسكرية عن المواجهات المظفرة للجيش الباسل أو للميليشيات الطائفية المسلحة، في حين تأتي بيانات «الجهاد الثورية» متعددة الأسماء والهوية لتتحدث عن الانتصارات المؤزرة للمجاهدين الأبطال على الكفرة من الخارجين على الدين الحنيف.

كل طرف يتباهى بعدد قتلاه من «الكفرة الإرهابيين» مخفياً ما أمكن عدد قتلى معسكره، فإذا المجموع يفوق عدد سكان مدينة بحجم حلب والموصل وصنعاء وطرابلس الغرب معاً.

يطرق حزناً أو خجلاً ذلك المواطن الذي كان ذات يوم عربياً يتطلع إلى وحدة تجمع أشتات الأمة ومدخلها بالتأكيد (أو نتيجتها الحتمية تحرير فلسطين من براثن الصهيونية العالمية المعززة بالامبريالية والاستعمار القديم)، ويأخذه الخجل من حاضره والخوف على مستقبل أولاده الذين ينكرون هويتهم ويجهلون لغتهم حتى إذا هم أجبروا على حفظ القرآن الكريم.

يهرب سعداء الحظ ممن لم تقتلهم المدافع والصواريخ والقذائف التي بات لها أسماء دلع من أوطانهم، عبر البر، حتى بلوغ البحر في بلاد أخرى، فيركبون زوارق لا تستطيع الصمود للأمواج الصاخبة أو للرياح العاتية. قد يغرق العديد منهم، مئات مئات، فلا يهتم لهم الناجون لأنهم مشغولون بهمّ النجاة، وبعدها تجيء الهموم الثقيلة الأخرى.

لا سياسة، لا اقتصاد، لا جامعات، لا مستشفيات، لا مدارس، الصبية في الشوارع، الأرامل والبنات يلتجئن إلى بعض ما تبقى من بنايات مهدمة، والمقاتلون ملثمون أو مكشوفو الوجوه بالملابس المختلطة، عسكرية ومدنية، والرشاشات في أيديهم وأمامهم المدافع المجرورة على عربات ضخمة يتبارون في حشو مخازنها بصواريخ القتل والتدمير ثم يبتعدون إلا من يسحب الحبلة لتنطلق قذائف الموت الجماعي.

تصدر البلاغات الحربية من الأطراف جميعاً، وكل منها يناقض الآخر، تتهاوى أعداد القتلى جثثا لا تجد من يرفعها، وكل يزايد، فالراحلون هنا شهداء أبرار وهناك سفاحون وقتلة وكفرة يستحقون الموت رمياً بالرصاص وإلى جهنم وبئس المصير.

تتهاوى مدن التاريخ صرعى. تنهب آثار الحضارات التي قاومت الزمن وصمدت لاجتياحات الأغراب، مغولاً وصليبيين وأنواعا شتى من المستعمرين الذين تعاقبوا على هذه البلاد، ويباشر أهلها إعادة إعمارها بحهد العقول والزنود وتحديث بنائها لتليق بالغد، بالجامعات والمستشفيات والحدائق ودور العبادة ذات الخطوط المنقوشة بالنحاس مخلوطاً بالفضة.

يسقط الحاضر مضرجاً بدماء أهله، ويتهاوى المستقبل في قلب الركام. تفقد كل من هذي البلاد دولتها. يفقد مواطنوها شعورهم بالأمان، لأنهم يحبون الوطن ومستعدون لافتدائه بدمائهم لو أنهم قادرون. لكن العسس ما زالوا يطاردون «المشبوهين» والخارجين عن طاعة النظام المتآمرين ـ الجواسيس ـ عملاء الامبريالية والصهيونية.

تجيء الدول، بدعوة أو من دون دعوة، تتقدمها مصالحها وأغراضها بغير أن تهتم بأعداد القتلى والجرحى والبيوت المهدمة (التي غالباً ما تكون الذريعة)، البعض لحماية «النظام» والبعض الآخر لرعاية المعارضات المختلفة ومساعدتها على إسقاط النظام ولو بتدمير البلاد على رؤوس العباد.

يقاتل العرب العرب، يفرح هؤلاء كلما تزايدت أرقام الضحايا من أولئك. يدفع عرب النفط كلفة القتل والهدم والتدمير ويتسابقون على إصدار بيانات الإدانة والاتهامات بإجرام النظام المقصود والتشهير بجرائمه ضد الإنسانية.
لا فلسطين في الذاكرة. لا أثر للعدو الإسرائيلي في جدول الأعمال.

يغادر المتمولون وأصحاب النفوذ البلاد بالرشوة والشفاعات النافذة. يذهب بعضهم إلى المعارضات المختلفة، ويدعمها سراً ببعض أمواله المنهوبة من خيرات بلاده، يُحرّض المقاتلين على القتال بشراسة أشد. يذهبون إلى «الدول» يتذللون ويستعطفها دعم «الثورة»، هم الذين يعتنقون كلمة «ثورة» ويكرهون الثوار الذين يرونهم مخربين ومتآمرين على حياة البلاد والعباد.

تتعامل «الدول» مع العراق وسوريا واليمن وليبيا، على أنها الأرض الخراب. ما يهمها هو النفط، حيث وجد، أما ما ليس فيها نفط فليضربها الزلازل.

فجأة يصبح لدول النفط جيوش بطائرات مقاتلة لم نعرف عنها في الحروب الإسرائيلية، وقوات مدرعة، وحوامات بصواريخ، وجنرالات يخرجون علينا ببلاغاتهم التي تركز على خسائر العدو وتهمل خسائرهم.

تشتري دول النفط بعض ذوي الأسماء المعروفة، وكثيراً من شيوخ القبائل، تموّلهم، تطلب إليهم تجنيد رجالهم وقبائلهم للتحرير. تنشئ لهم الحكومات والرؤساء والوزارات والجيوش التي تموّه تدخلهم المباشر. تدفع مليارات المليارت طلباً لنصر مستحيل، وتهدم البلاد التي دفعت أجيالاً من أبنائها كلفة لإعمارها.

تدخل الدول الحرب بالمرتزقة والخارجين على بلادهم. تموّل وتسلح وترسم خطط التهديم والتدمير. ثم ترسل إلى «النظام» تفاوضه على النفط حيث وجد، أو على القواعد العسكرية، وعموماً على التبعية وأول بنودها الصلح غير المشروط مع من كان عدواً للأمة جمعاء: إسرائيل.
إلى أين من هنا؟

سقطت اللغة العربية من أفواه أبنائها. أولادنا لا يعرفونها. اختطفتهم الحداثة من قبل أن يعرفوها. يتبادلون أحاديثهم على الكومبيوتر ومشتقاته. سقط الكتاب صريعاً. سقطت الصحافة العربية أو تكاد، بعضها صار في حريم السلطان، والبعض الآخر يعاني من ارتفاع الكلفة والتناقص الفاضح في أعداد القراء وانعدام الإعلان التجاري.
ويسألونك عن أحوال العرب.
بلادُ العُربِ أوطاني من الشام لبغدانِ

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حضارة ومدناً ورعايا قتلى أو غرقى حضارة ومدناً ورعايا قتلى أو غرقى



GMT 08:03 2017 السبت ,20 أيار / مايو

رصاص على حرف النون

GMT 06:48 2016 الخميس ,15 كانون الأول / ديسمبر

سفير الأمة

GMT 11:08 2016 الإثنين ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعدى علوه: اغتيال النهر وناسه

GMT 12:59 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

عالم عربي من الركام! عن الثورات المجهضة والهجوم المضاد

GMT 12:15 2016 الإثنين ,05 كانون الأول / ديسمبر

حتى لا يمر قانون انتخاب يلغي الوطن والمواطن...

الملكة رانيا تتألق بعباءة وردية مطرزة بلمسات تراثية تناسب أجواء رمضان

القاهرة ـ فلسطين اليوم
الإطلالات التراثية الأنيقة المزخرفة بالتطريزات الشرقية، جزء مهم من أزياء الملكة الأردنية رانيا ترسم بها هويتها في عالم الموضة. هذه الأزياء التراثية، تعبر عن حبها وولائها لوطنها، وتعكس الجانب التراثي والحرفي لأبناء وطنها وتقاليدهم ومهاراتهم في التطريز الشرقي. وفي احدث ظهور للملكة رانيا العبدالله خلال إفطار رمضاني، نجحت في اختيار إطلالة تناسب أجواء رمضان من خلال تألقها بعباءة بستايل شرقي تراثي، فنرصد تفاصيلها مع مجموعة من الأزياء التراثية الملهمة التي تناسب شهر رمضان الكريم. أحدث إطلالة للملكة رانيا بالعباءة الوردية المطرزة بلمسات تراثية ضمن اجواء رمضانية مميزة يملؤها التآلف، أطلت الملكة رانيا العبدالله في إفطار رمضاني، بعباءة مميزة باللون الوردي تميزت بطابعها التراثي الشرقي بنمط محتشم وأنيق. جاءت عباءتها بتصميم فضف�...المزيد

GMT 08:00 2025 السبت ,05 إبريل / نيسان

إدوارد يكشف سبب رفضه البطولة المطلقة
 فلسطين اليوم - إدوارد يكشف سبب رفضه البطولة المطلقة

GMT 08:03 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

لن يصلك شيء على طبق من فضة هذا الشهر

GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 07:07 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

تعيش أجواء إيجابية ومهمة في حياتك المهنية والعاطفية

GMT 13:12 2018 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

جاستين بيبر يغنى للمارة في كندا عام 2007 قبل الشهرة

GMT 23:20 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

الجيش السورى يستعيد قرية جب عوض وتلة الشيخ محمد

GMT 22:47 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد الأحمد سعيد بحصوله على جائزة عمر الشريف

GMT 17:08 2017 السبت ,07 كانون الثاني / يناير

كاظم الساهر يؤكد لمن يشوهون صورته سعيه لخدمة وطنه

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

palestinetoday palestinetoday palestinetoday palestinetoday